روزبهان البقلي الشيرازي ( شطاح فارس )
219
مشرب الأرواح
الباب الثاني عشر في مقامات الواصلين وهي خمسون فصلا الفصل الأول : في مقام الصبغة إذا وصل العبد إلى مقام الوصلة غسل اللّه سره وقلبه وعقله وروحه وفطرته وطبيعته وجميع وجوده بمياه بحر القدس وصبغها بصبغ الألوهية ، فصار ظاهره وباطنه منورا بصبغ اللّه حتى يكون مرآة تجلي الحق للعالمين ، ثم بعد ذلك يكون مستعدا لقبول أنوار أسرار الأزل والأبد من عين القدم والبقاء وأصل الذات والصفات ولا يتغير ذلك الصبغ عليه بطوارقات التلوين وأحكام القهريات وواردات الامتحان فلا صبغ فوق صبغ اللّه ، وبترك ذلك يتغير الأمر والنهي ولا يقبل بعد صبغ الاصطفائية في الأزل صبغا ، قال اللّه تعالى : صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً [ البقرة : 138 ] ، قال العارف قدّس اللّه روحه : الصبغة اتصاف الخليقة بالحقيقة . الفصل الثاني : في مقام الحنيفية إذا صار مصبوغا بصبغ اللّه يكون مائلا عمّا دون اللّه ولا يقف على الحدثان بعد رؤية الرحمن ويسير عن كل حظ يحد في الحنيفية ولا يلبث حتى يصل إلى محل الفناء ، قال سبحانه وتعالى في وصف خليله عليه السلام : ما كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا وَلكِنْ كانَ حَنِيفاً [ آل عمران : 67 ] ، وقال عليه السلام : « بعثت بالحنيفية السهلة السمحة البيضاء » « 1 » ، قال العارف قدّس اللّه روحه : الحنيفية التخلق بسنّة اللّه والتبري عمّا دون اللّه .
--> ( 1 ) ورد بلفظ : « بعثت بالحنيفية السمحة » رواه الطبراني في الكبير من طريق عفير بن معدان عن سليم بن عامر ومعان بن رفاعة السلامي عن علي بن يزيد حديث رقم ( 7715 ) [ 8 / 170 ] وحديث رقم ( 7868 ) [ 8 / 216 ] وحديث رقم ( 7883 ) [ 8 / 222 ] والحديث رواه أحمد في المسند عن أبي أمامة ، حديث رقم ( 22345 ) [ 5 / 266 ] ورواه غيرهما ، ونص رواية أحمد هي : عن أبي أمامة قال : خرجنا مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم في سرية من سراياه ، قال : فمرّ رجل بغار فيه شيء من ماء قال : فحدّث نفسه بأن يقيم في ذلك الغار فيقوته ما كان فيه من ماء ويصيب ما حوله من البقل ويتخلى من الدنيا ، ثم قال : لو أني أتيت نبي اللّه صلى اللّه عليه وسلّم فذكرت ذلك له فإن أذن لي فعلت وإلا لم أفعل فأتاه فقال : يا نبي اللّه إني مررت بغار فيه ما يقوتني من الماء والبقل فحدثتني نفسي بأن أقيم فيه وأتخلى من الدنيا ، قال : فقال النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « إني لم أبعث باليهودية ولا بالنصرانية ولكني بعثت بالحنيفية السمحة والذي نفس محمد بيده لغدوة أو روحة في سبيل اللّه خير من الدنيا وما فيها ولمقام أحدكم في الصف خير من صلاته ستين سنة » .